عبد الرحمن بن ناصر السعدي

48

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

علمه ، ومنها : أن الامتحان للغير ، إذا عجزوا عما امتحنوا به ، ثم عرفه صاحب الفضيلة ، فهو أكمل مما عرفه ابتداء ، ومنها : الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن ، وبيان فضل آدم ، وأفضال اللّه عليه ، وعداوة إبليس له ، إلى غير ذلك من العبر . [ 35 ] لما خلق اللّه آدم وفضله ، أتم نعمته عليه ، بأن خلق منه زوجه ، ليسكن إليها ، ويستأنس بها ، وأمرهما بسكنى الجنة ، والأكل منها رغدا ، أي : واسعا هنيئا ، حَيْثُ شِئْتُما ، أي : من أصناف الثمار والفواكه ، وقال اللّه له : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 ) . وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ نوع من أنواع شجر الجنة ، اللّه أعلم به ، وإنما نهاهما عنها امتحانا وابتلاء ، أو لحكمة غير معلومة لنا ، فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ دل على أن النهي للتحريم ، لأنه رتب الظلم عليه . فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ، ويزين لهما تناول ما نهيا عنه ، حتى أزلّهما ، أي : حملهما على الزلل بتزيينه ، وَقاسَمَهُما باللّه إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، فاغترّا به وأطاعاه ، فأخرجهما مما كانا فيه ، من النعيم والرغد ، وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة . [ 36 ] بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ، أي : آدم وذريته ، أعداء لإبليس وذريته ، ومن المعلوم أن العدو يجدّ ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشرّ إليه بكل طريق ، وحرمانه الخير بكل طريق ، ففي ضمن هذا ، تحذير بني آدم من الشيطان ، كما قال تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) ، أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا . ثم ذكر منتهى الإهباط ، فقال : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ، أي : مسكن وقرار ، وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ انقضاء آجالكم ، ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها ، وخلقت لكم ، ففيها أن مدة هذه الحياة مؤقتة عارضة ، ليست مسكنا حقيقيا ، وإنما هي معبر يتزود منها لتلك الدار ، ولا تعمر للاستقرار . [ 37 ] فَتَلَقَّى آدَمُ ، أي : تلقف وتلقن ، وألهمه اللّه مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ، وهي قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية ، فاعترف بذنبه ، وسأل اللّه مغفرته فَتابَ اللّه عَلَيْهِ ، ورحمه إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ لمن تاب إليه وأناب . وتوبته نوعان : توفيقه أولا ، ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا . الرَّحِيمُ بعباده ، ومن رحمته بهم ، أن وفقهم للتوبة ، وعفا عنهم وصفح . [ 38 ] كرّر الإهباط ، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً أي : وقت وزمان جاءكم مني ، يا معشر الثقلين ، هدى ، أي : رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني ، ويدنيكم مني ، ويدنيكم من رضائي ، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ منكم ، بأن آمن برسلي وكتبي ، واهتدى بهم ، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب ، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . وفي الآية الأخرى : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى . فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء : نفي الخوف والحزن ، والفرق بينهما ، أن المكروه إن كان قد مضى ، أحدث الحزن ، وإن كان منتظرا أحدث الخوف ، فنفاهما عمن اتبع الهدى ، وإذا انتفيا ثبت ضدهما ، وهو الهدى والسعادة ،